تحاليل

دراسة / على خلفيّة الهجمات الإرهابيّة  في أوروبا: كيف يتحوّل الأفراد إلـى "ذئاب منفردة"؟.. المعايير والمقاربات المفسّرة

دراسة / على خلفيّة الهجمات الإرهابيّة في أوروبا: كيف يتحوّل الأفراد إلـى "ذئاب منفردة"؟.. المعايير والمقاربات المفسّرة

27 جويلية 2016 10:43

في أعقاب الهجمات الإرهابية الأخيرة التي شنتها "الذئاب المنفردة" في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ثارت التساؤلات حول أسباب نشوء الظاهرة ودوافع المواطنين يقدمون على ممارسة العنف المنفرد ضد مجتمعاتهم، فضلا عن ملاحهم الشخصية والنفسية.

 

وفي هذا السياق، تأتي أهمية دراسة غربية حملت عنوان "ظاهرة الذئب المنفرد: تقييم الملفات الشخصية الحالية Understanding the lone wolf terror phenomena: assessing current profiles"، حيث استعرضت الجهود النظرية المبذولة لفهم هذه الظاهرة، مع التطبيق على ثلاث حالات عملية لذئاب منفردة، أمكن من خلالها وضع استنتاجات وخلاصات نظرية. وأجرى الدراسة كل من أورلاندري دانزل وليساندرا مونتانيز من جامعة ميرسي هيرست، ونشرت في دورية "Behavioral Science of Terrorism and Political Aggression" في سبتمبر 2015.

 

حدود انتشار الذئاب المنفردة

:

طرحت الدراسة مجموعة من المؤشرات على تصاعد ظاهرة الذئاب المنفرد، إذ أشارت إلى أن هجمات هؤلاء الذئاب آخذة في الارتفاع في الولايات المتحدة والعديد من الديمقراطيات الأوروبية الغربية (مثل: المملكة المتحدة، وألمانيا)، وهي الدول التي شهدت 198 هجمة إرهابية نفذها الذئاب المنفردة، في الفترة من 1970 إلى عام 2000. كما أوضحت أن هجمات الذئاب المنفردة على الولايات المتحدة قد زادت بنسبة 45%، فهي الدولة الأكثر استهدافا في الفترة من 1990 حتى 2013، بحوالي 46 عملية، بنسبة 63% من إجمالي العمليات على مستوى العالم

 

وتوضح الدراسة أن الجدل الحالي بين العلماء وصانعي القرار حول ظاهرة الذئاب المنفردة، يشير إلى أنها لم تصبح تهديدا أمنيّا هائلا فحسب، ولكنها باتت تفرض مزيدا من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المجتمعات، مما دفع الباحثين والمحللين إلى بذل مزيدٍ من الجهود النظرية للكشف عن أنماط الأفراد المعرضين للتحول إلى ذئاب منفردة، وبالتالي المساهمة في ظاهرة الإرهاب العالمية

 

ومع مراجعة الأدبيات السابقة في هذا الشأن، نجد أن هناك خلافات كبيرة حول الأسس التي يمكن الحكم من خلالها على أي هجوم إرهابي، بأنه من تنفيذ "ذئب منفرد"، ففي إحدى الدراسات التي ظهرت مؤخرا، يشير العلماء إلى أن ظاهرة الذئب المنفرد جاءت نتيجة تصورات من وسائل الإعلام والجهات الفاعلة السياسية الراديكالية، وليس لها أساس في العلوم الاجتماعية أو المصطلحات القانونية، بينما هناك دراسة أخرى أكدت أن الهجمات التي يقوم بها مهاجمون منفردون يُفضّل أن تُسمى "الكلاب الضالة" لأنها تُظهر مستوى متدنيا في التنظيم والتنفيذ.

 

المعايير والمقاربات المفسرة

:

بالطبع هناك فقر نظري في دراسة وتحليل ظاهرة "الذئب المنفرد"، وقد حاولت دراسة كل من دانزل ومونتانيز تقديم ملخص للاقترابات الثلاثة المحددة لمعايير تحديد هذه الظاهرة وتفسيرها.

 

أولا: الاقتراب التعريفي: هو أحد الاقترابات الذي يوفر أطرا نظرية مفيدة لتحديد العناصر الرئيسية لظاهرة الذئب المنفرد، حيث حدد أحد هذه الأطر د ثلاثة معايير لازمة لإطلاق مسمى "الذئب المنفرد" على العمل الإرهابي، وهي: أن تتم بشكل فردي، وألا ينتمي مُنفذ العملية لتنظيم إرهابي، وأن يتم التخطيط للعملية دون تدخل أي عناصر خارجية أو قيادات هيراركية.

 

أمّا معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، فقد سلّط الضوء على عدة مبادئ أساسية في تعريف ظاهرة "الذئب المنفرد"، وهي

 :

- أن يكون هناك تمييز واضح بين الذئب المنفرد والعمليات الإرهابية التقليدية، فعلى الرغم من أن الذئب المنفرد يمكن أن يحصل على دعم أحد التنظيمات الإرهابية الكبيرة، إلا أنه لا يتلقى دعما ماديا مباشرا من هذا التنظيم، ويعمل وحيدا

 

- أن من ينفذ العملية الإرهابية يجب أن يكون شخصا منفردا، وليس اثنان أو شبكة صغيرة

 

- قد يكون الذئب المنفرد متعاطفا مع جماعة إرهابية ما، أو ينتمي إلى نفس أيديولوجية هذه الجماعة، ولكن لا يجب أن يكون جزءا من هيكلها التنظيمي.

 

ثانيًا- الاقتراب المعياري:يتضاءل حجم الأدبيات التي باتت تستخدم القصور العقلي كمدخل وحيد لتفسير ظاهرة الذئب المنفرد. وقد حاول عدد محدود من العلماء وضع عدة نماذج تفسيرية لفهم هذه الظاهرة من أكثر من منظور. إحدى هذه المحاولات تمثّلت في تصنيف الذئب المنفرد إلى خمس فئات: (العلماني، غريب الأطوار، المتدين، ذو القضية الواحدة، المجرم الجنائي).

 

وهذه التصنيفات غالبا ما تُساعد في تفسير سلوك الذئاب المنفردة بشكل أفضل، فالعلماني غالبا ما تكون تحركاته دفاعا عن قضية سياسية أو قومية أو إثنية. أمّا غريب الأطوار فهو غالبا ما ينتصر لقضية ما، ولكن لدوافع شخصية أو اضطرابات نفسية. والمتدين هو من يتحدث باسم الدين، كالعنصريين البيض والنازيين الجُدد بحسب وجهة نظر الدراسة. أمّا ذو القضية الواحدة فكافة تحركاته تصبُّ في سبيل مناصرة قضية واحدة تدخل في دائرة انتماءاته أو اهتماماته. وأخيرا، ما زال هناك من يمارس الإرهاب في سبيل كسب الأموال (المجرم الجنائي).

 

تصنيف آخر وضع أربعة أبعاد أساسية لظاهرة الذئب المنفرد؛ أولا: التطرف، وهو أحد الأبعاد التي اتفق جميع العلماء أنها جزء أساسي في هذه الظاهرة، والاختلاف الوحيد في هذا البعد هو كيفية تطور التطرف، عن طريق التنشئة الاجتماعية أم عن طريق عوامل ذاتية؟. ثانيا: العوامل المُحفّزة، ويتراوح هذا البعد بين الإرهابي الأناني الذي يضع نفسه في مكانة أسمى من القضية ذاتها، والإرهابي الذي ينكر ذاته ويضحي بنفسه في سبيل القضية. ثالثا: شكل العمل الإرهابي، وهنا يجب التمييز بين الحدث الإرهابي الواحد والأحداث التسلسلية، وهذه الأحداث إمّا أن تكون فوضوية أو وظيفية، وهو الأمر الذي لا يُمكن استنتاجه إلا عقب وقوع الحادث. رابعا: درجة المخاطرة المقبولة من جانب الإرهابي، فهناك من يبحث عن المخاطرة، وهناك من ينفر منها قدر الإمكان.

 

ثالثا- اقتراب التطرف:يُعتبر أقل الاقترابات تطورا بين العلماء فيما يتعلق بظاهرة الذئب المنفرد، ولكنه اقتراب واعد، قد يحمل في طياته الكثير لتطوير دراسة هذه الظاهرة، ويعّرف على أنه: "عملية شخصية، يتبنى الفرد خلالها مُثُلا وتطلعات سياسية أو اجتماعية أو دينية متطرفة، ويسعى لتحقيق أهداف هذه التطلعات من خلال استخدام العنف العشوائي".

 

وبشكل عام، فإن عملية التطرف هي "مسار نفسي، إذا توفرت الظروف المناسبة له، يمكن أن يلحق بأي شخص أو جماعة أو أمة". وبالنسبة للآليات التي يمكن أن تؤجج التطرف الفردي؛ فإنها تتلخص في المظلمة الشخصية، أو المظلمة الجماعية. وخلافا للإرهابيين التقليديين، فإن الذئاب المنفردة تجمع في كثير من الأحيان بين الثأر الشخصي والمظالم الدينية أو السياسية الجماعية، فهما معا يُشكلان دافعا قويّا لتحدي السلطة الحاكمة، مع ملاحظة أن معظم عمليات الذئاب المنفردة تحمل تحديا للسلطات السياسية.

 

وفي المحصلة، نجد أن هدف الذئب المنفرد لا يتمثل فقط في تحقيق العدالة (معاقبة المُخطئ)، ولكنه يسعى إلى الانتقام (أن يقوم هو بمعاقبة المُخطئ).

 

حالات تطبيقية:

 

ركزت الدراسة على ثلاث حالات للذئاب المنفردة وخاصة في الولايات المتحدة وهم:

 

أولا "تيد كاتشينسكي": هو أحد أكثر الذئاب المنفردة موهبة على الإطلاق؛ حيث قام خريج جامعة هارفارد وعالم الرياضيات السابق بالتخطيط وتنفيذ 16 تفجيرا منفصلا على مدار 17 عاما، مما أسفر عن مقتل 3، وإصابة 23. ليحصل مكتب التحقيق الفيدرالي الأمريكي على أطول وأغلى تحقيق في تاريخه.

ووُلد كاتشينسكي في 22 مايو 1942 في شيكاغو، ونشأ وترعرع في أسرة ملحدة، لم يكن اجتماعيّا، ووصفته والدته بأنه كان معاديا للمجتمع. وهو الأمر الذي ربما يعود إلى المرض النفسي الذي عانى منه منذ الصغر، وتطلب عزله عن التفاعل مع الآخرين. وكان موهوبا وذكيا في دراسته منذ الصغر، وهو ما منحه مكانة أكاديمية متقدمة عن زملائه، ولكن هذه الموهبة الفذة جعلته غير مُرحب به وسط زملائه، فعانى من العزلة المجتمعية.

 

 ورأى كاتشينسكي أن المناهج الدراسية في جامعة هارفارد تُعزز فقط "معايير النخبة" و"قيم المثقفين"، وخلال دراسته العليا في جامعة ميشيغان، بدأ في نقد المجتمع الصناعي الحديث، وقدم أطروحة علمية متميزة حصدت جوائز علمية، ولكن نما لديه اعتقاد بأن الرياضيات والعلوم لم تكن سوى مجرد آلية لتدمير المجتمع الإنساني.

 

واستقال كاتشينسكي من الجامعة، وانتقل للعيش في مونتانا عام 1971، حيث أقام بيتا صغيرا بارتفاع من 10 إلى 12 قدما، لا يوجد به مياه جارية أو كهرباء. وبذلك يكون كاتشينسكي قد خلق البيئة التي يود أن يعيش بها؛ عزلة تامة، وتحرر من كافة التفاعلات الاجتماعية.

 

 بحلول عام 1977، أُصيب كاتشينسكي بالغضب وخيبة الأمل، لأنه لم يستطع تحقيق ما كان يصبو إليه من عزلته التامة، فانتقل للعيش في منزل والديه في إلينوي، وحاول أن ينخرط مع المجتمع مجددا، ولكنه فشل في تجربتي العمل والحب. عاد كاتشينسكي إلى مونتانا مرة أخرى، وبدأ سلسلة طويلة من التفجيرات في أنحاء البلاد، استمرت خلال الفترة من 1978 إلى 1995، حتى تم القبض عليه في 3 إبريل 1996.

 

ثانيا- "تيموثي ماكفي"، وهو شخص يميني متطرف، وجندي سابق في الجيش الأمريكي. كان العقل المدبر وراء تفجير مدينة أوكلاهوما، في 19 إبريل 1995، والذي أسفر عن مقتل 168 شخصا، وإصابة أكثر من 500 شخص، ولا يزال يُعتبر أعنف حادث إرهابي محلي في تاريخ الولايات المتحدة.

 

وُلد في 23 إبريل 1968، في نيويورك، وكان تكوينه البدني الهزيل أحد الأزمات التي واجهته في طفولته. قام جده بتعليمه حمل السلاح، وهو ما حوّل تيم من مجرد صبي يفتقد الثقة في نفسه، إلى رجل يستمد قوته من سلاحه. وخلال دراسته الثانوية عُرف بأنه إنسان اجتماعي ومثقف، وبارع في التعامل مع أجهزة الكمبيوتر.

 

التحق تيموثي بالجيش الأمريكي، بعدما أبدى اهتماما خاصا بدراسة والتدريب على استخدام السلاح، وتأثر بعضو الحزب النازي الأمريكي السابق "وليام بيرس"، بسبب دفاعه عن حقوق حمل السلاح. شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991. وهناك ظهرت ميوله العدوانية والشرسة في التعامل مع الخصوم، وبدأ فكره المتطرف العنصري في الظهور، خاصة من خلال اضطهاده لزملائه السود. وخرج تيموثي من الجيش بسبب آرائه المتطرفة والمعارضة للحكومة، حيث عارض تشديدها ضد حمل السلاح، ورأى أن ممارسة العنف ضد الحكومة يأتي بسبب شعور المواطنين بالظلم.

 

وكان يعتقد تيموثي أن تراثه ودخله وربما حياته أصبحوا في خطر، لذلك قرر أن يقوم بتنفيذ عمل عدائي ضد الحكومة، بمساعدة زملاء سابقين له في الجيش، فاختار أحد المباني الفيدرالية في مدينة أوكلاهما، وقرر وضع مركبة مُفخخة أمامها خلال ساعات النهار، حتى يتمكن من حصد عدد كبير من الأرواح، فهو اعتقد أن الحكومة قد تكون قادرة على دفع المال لإعادة بناء المباني المُهدمة، ولكنها لن تكون قادرة على إعادة أرواح الضحايا. وقد تم إعدامه في 11 يونيو عام 2001.

 

ثالثا: "نضال مالك حسن"، وهو ضابط عمل في الفيلق الطبي بالجيش الأمريكي، وتمت إدانته في حادث إطلاق نار على زملائه في مركز "فورت هود" بولاية تكساس، في 5 نوفمبر 2009، حيث قتل 13، وأصاب 32 أخرين.

 

وُلد في 8 سبتمبر 1970، في ولاية فيرجينيا، وهو ابن مهاجرين فلسطينيين، ونشأ في بيت مسلم، وقد وُصف في طفولته بالهدوء وحسن السلوك. بعد التخرج، التحق بالجيش الأمريكي، على غير إرادة والديه، ثم أكمل دراسته للطب، وأصبح ضابطا طبيبا، وقد تركزت دراسته للطب في مجال "الطب النفسي الوقائي".

 

في أعقاب أحدث 11 سبتمبر، عانى نضال من اضطهاد زملائه له بسبب ديانته، فصار وحيدا، بل وأصبح معاديا للجيش الأمريكي بسبب تدخلاته العسكرية في أفغانستان والعراق. لذا، حاول ترك الحياة العسكرية، ولكن تم التضييق عليه، ولم يُسمح له بذلك.

 

بدأ نضال يشعر بأنه غير قادر على تحقيق التوازن بين عمله في الجيش والتزاماته الدينية، وقد تبين فيما بعد أنه كان يقوم بتحميل الفيديوهات الجهادية التي كان يظهر بها زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية "أنور العولقي".

 

وفي 5 نوفمبر 2009، قرر نضال أن يواجه هذه التناقضات التي كان يشعر بها، فحمل سلاحه صائحا "الله أكبر"، وأطلق النار على زملائه، وقد حُكم عليه بالإعدام في 28 أغسطس 2013.

 

استنتاجات أساسية:

 

من خلال تحليل الحالات الثلاث السابقة، أمكن إثبات أنه من الصعب وضع أنماط ثابتة للذئاب المنفردة، لأن هذا قد يجعلنا نغفل عن عدد كبير من الإرهابيين قيد التشكيل، كما أن هذا التنميط هو مقياس أُحادي لظاهرة الذئاب المنفردة، بينما أثبتت دراسات الحالة أنها ظاهرة متعددة الأبعاد.

وهو ما يظهره الجدول التالي الذي يُلخّص دراسات الحالة السابقة:

 

دراسة / على خلفيّة الهجمات الإرهابيّة  في أوروبا: كيف يتحوّل الأفراد إلـى

 

 

وقد مالت دراسة دانزل ومونتانيز في خلاصتها إلى اقتراب Internal Pack Conflict Theory قد يكون الأكثر فائدة ودقة في التعامل مع ظاهرة الذئاب المنفردة، حيث تفيد هذه النظرية بأنه بغض النظر عن نشأة الفرد (الذئب المنفرد) الاجتماعية (منعزل / اجتماعي)، فإنه غالبا ما يتعرض لحزمة من الأزمات والصراعات الاجتماعية على مدار حياته بشكل متصاعد، تؤدي إلى جنوحه نحو التطرف. فبنسبة كبيرة، الذئاب المنفردة هم أشخاص لفظهم المجتمع.

( المصدر: المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية )