في العمق

حركة النهضة بين التحدي والمجهول وكيف تمرّ تونس إلى برّ الأمان ؟

حركة النهضة بين التحدي والمجهول وكيف تمرّ تونس إلى برّ الأمان ؟

31 جويلية 2019 13:36

بقلم : علية العلاني. أكاديمي وباحث في القضايا الاستراتيجية

 

لماذا اختار الغنوشي الترشح للبرلمان؟

هناك 4 أسباب ربما تكون قد دفعت الغنوشي للترشح للبرلمان:

أولا: سبب داخلي تنظيمي، فالغنوشي لم يعد بإمكانه الترشح مرة أخرى لرئاسة الحركة في المؤتمر القادم سنة 2020 إلا إذا غيّر موازين القوى داخل حركته بتصعيد قيادة طيّعة وموالية له، وهو ما لمسناه من إبعاد قيادات تاريخية عُرفت بمشاكستها له. وللحقيقة فإن هذا ليس أول إبعاد لمعارضي الغنوشي فقد حدث ذلك مع المرحوم صالح كركر نائب رئيس الحركة في الثمانينات. وبالتالي فإن القيادة الجديدة التي سيتم تصعيدها هي التي ستطلب منه في المؤتمر القادم الاستمرار على رأس الحركة مع احتفاظه بمسؤوليته في البرلمان. وأتصور أن خروج الغنوشي من قيادة الحزب أخطر من خروجه من مناصب الحكم لأن بقاءه في الحركة يجعله متحكما في الصندوق الأسود أي الموارد المالية للحركة ومصادرها.

ثانيا: سبب سياسي وقضائي، حيث أن ترشح الغنوشي للبرلمان يمنحه حصانة مما يمكن أن يحصل له يوما ما من مساءلات سياسية وقضائية سواء فيما يتعلق بالجهاز السري أو في ملف تسفير المقاتلين التونسيين إلى بؤر التوتر إلخ.

ثالثا: سبب إقليمي، حيث أصبح تيار الإسلام السياسي في ليبيا ضعيفا ويتوقع أن يزداد ضعفا في الأيام القادمة بعد نهاية معركة طرابلس. وهناك تخوف من فتح ملفات حارقة تتعلق بالأمن بين تونس وليبيا زمن حكم الترويكا أو بفتح ملفات سياسية مثل تسليم آخر رئيس وزراء في عهد القذافي البغدادي المحمودي لحكومة ليبية يسيطر عليها الإسلاميون وتمّ ذلك في عهد حكومة الترويكا.

رابعا: سبب دولي، فالغنوشي يعرف الإدانات المتتالية لتيار الإسلام السياسي في أمريكا وأوروبا والعالم العربي. وبالتالي ربما يرى من مصلحته التواجد في هيكل يسمح له بالحصانة في انتظار أوضاع أفضل، لعل من بينها عدم تجديد انتخاب الرئيس ترامب الذي يعُدّه الإسلاميون عموما عقبة كأداء أمام انتعاشتهم.

لكل هذه الأسباب يرى الغنوشي أن بقاءه في البرلمان يشكل فرصة هامة له لإعادة ترتيب الأوراق تنظيميا داخل حركته وسياسيا داخل المشهد السياسي القادم في تونس وخارجها.

 

هل يفعلها الغنوشي؟

الثابت أن راشد الغنوشي بعد رحيل المرحوم الباجي قايد السبسي ما يزال أمامه الكثير لإعادة هيكلة حركته حتى تصبح حزبا مدنيا بالفعل لأنّ كل تجارب الإسلام السياسي في العالم العربي فاشلة، ولأن الإسلام السياسي نفسه في منظور المجتمع الدولي هو الحاضنة الفكرية والحركية الأولى للإرهاب. ولا أجد لحد الآن أي مبرر لإعادة تجربة التوافق في الحكم مع إسلاميي حركة النهضة بعد الانتخابات القادمة لأنه لا يمكن الجمع أو التوافق  بين نمطين متضادين في الحكم، ولا يمكن العمل مع حزب  قال عنه مستشار الغنوشي نفسه لطفي زيتون أن 40 بالمائة فقط من حزب النهضة تطوروا (انظر تصريح زيتون في الشروق 30 جويلية 2019) وبدأوا يتشربون بالمدنيّة والحداثة أي أن 60 بالمائة بعيدون عن هذا التوجه. ولهذا أكرر وأقول أن من مصلحة البلاد وكذلك من مصلحة حركة النهضة عدم مشاركتها في حكومة ما بعد الانتخابات والتفرغ لإعادة بناء الحزب بوجوه جديدة ومقاربات فكرية جديدة بعيدا عن فكر الإخوان المسلمين واللوبيات الداعمة له في الداخل والخارج، وهذا يستوجب عهدة أوعُهْدتين برلمانيتين أي خمسة أو عشر سنوات تكون حركة النهضة فيها في البرلمان لا في الحكومة حتى تسترجع تونس كبار المستثمرين في الخليج وتكون علاقتها بحكومة ليبيا القادمة علاقة جيدة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، ونحن نعرف أن الحكومة القادمة في ليبيا يصعب أن يكون الإخوانُ فيها فاعلين بل ربما لا يتواجدون بها.

 

وهنا ألفت نظر إخواننا من سكان الجنوب التونسي أن معركة طرابلس لن تطول وأن الجيش الليبي سيبسط سلطته على كامل الحدود بما فيها الحدود مع تونس وبالتالي فإن الحكم الجديد في طرابلس سيكون معاديا لكل جماعات الإسلام السياسي في ليبيا وتونس وعليهم استخلاص العبرة وأتمنى أن لا يدفع سكان الجنوب التونسي فاتورة هذا التغييرحبذا لو يفهم الغنوشي هذه المستجدات ويقود حركته مستقبلا نحو إستراتيجية تأسيس جديد للحكم بمساندة نقدية دون المشاركة في الحكومة، أو البقاء كقوة فاعلة في المعارضة حتى يتفرغ لإدخال إصلاحات عميقة في حزبه ولن يصلح أمر هذا الحزب حتى ينزع عنه نهائيا جُبّة الإسلام السياسي أي رفض  الأخْونة فعلا لا قولا فقط، ويتخلى عن شعارات ما يزال يرفعها مثل "الإسلام الديمقراطي" ويرفض أي خلط بين الدين والسياسة. ولن يقدر على  فرض مثل هذه الإصلاحات في الحزب سوى الغنوشي نفسه وإذا فعل ذلك سيدخل التاريخ وهذا أفضل له بكثير من دخول حزبه للحكومة قريبا .

 

وحبذا أن تلمّ المعارضات الأخرى شتاتها بعد الانتخابات في ثلاث أو أربعة أحزاب كبرى وتقدم حلولا عملية في مقاومة الفساد وفي العدالة الجبائية والتنمية العادلة في الجهات وإصلاحات عميقة في التعليم والقضاء. وعندما تلتقي هذه الإصلاحات مع عودة قوية للاستثمار الخليجي والمغاربي والدولي ستكون تونس على موعد مع الإقلاع الاقتصادي إذا لم تشارك النهضة في الحكم، وسيربح الجميع: مستثمرون وسلطة ومجتمعا مدنيا ومعارضة (والنهضة جزء منها). وحتى تكون تونس واحة مغاربية وعربية ودولية للاستثمار، على الرئيس القادم لتونس أن يصدر عفوا شاملا في الجانب الجزائي والمالي بالتزامن مع إصدار تشريعات صارمة جدا لمن يتورطون مستقبلا في قضايا فساد أو إخلال بالأمن، وأن يتم الشروع في تأهيل معتقلي الإرهاب، وبذلك تصبح تونس واحة آمنة وبيئة ملائمة جدا للاستثمار وأنا أعرف أن هناك أطرافا مستعدة لضخ استثمارات ضخمة في تونس بمجرد توفير الأمن والاستقرار والحوكمة واستقلال القضاء. فهل ستكون تونس على موعد مع التاريخ مثلما تمنّاه المرحوم الرئيس الباجي قايد السبسي؟ وهل سيدرك الغنوشي رهانات المرحلة القادمة فيتصرف تصرف الكبار؟

31 جويلية 2019 13:36

المزيد

زين العابدين بن علي... من حاكم بأمره في تونس إلى الوفاة في المنفى

زين العابدين بن علي الذي توفي الخميس عن 83 عاما، حكم تونس بقبضة من حديد على مدى 23 عاما قبل أن يهرب الى السعودية في أعقاب انتفاضة شعبية ألهمت شعوبا أخرى في المنطقة ...

19 سبتمبر 2019 21:15

ايطاليا/ "حراقة" تونسيين في ايطاليا يرفعون لافتة في لامبدوزا كتب عليها " ساعدونا على عدم العودة إلى تونس"

وكالات – أعلنت مصادر أمنية إيطالية عن وصول مجموعة جديدة من المهاجرين، رست خلال الليل على سواحل جزيرة لامبيدوزا. وأضافت المصادر ذاتها بحسب وكالة آكي  ...

19 سبتمبر 2019 13:13

النخبة التونسية... من النضال الفكري إلى نشأة أول حزب سياسي

بقلم د. محمد فوزي المستغانمي   بعد فترة المقاومة المسلحة غداة انتصاب الاستعمار وعودة الاستقرار سرعان ما أخذت النخبة المثقفة التونسية بزمام المبادرة واعتمد على ...

18 سبتمبر 2019 21:20

ما جرى لإخوان السودان هل سيؤثر على إخوان تونس؟

بقلم : علية العلاني* ما حصل في السودان البارحة 4/8/2019 يبقى حدثا تاريخيا بامتياز، فقد تم التوقيع على اتفاقية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير لإرساء حكومة ...

06 اوت 2019 10:28

حصيلة لأبرز أنشطة رئيس الجمهورية الراحل الباجي قايد السبسي خلال عهدته

 حصيلة لأبرز أنشطة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي خلال عهدته الرئاسية الممتدة من يوم 31 ديسمبر 2014 والى غاية تاريخ وفاته يوم 25 جويلية 2019. 31 ديسمبر 2014 رئيس ...

30 جويلية 2019 12:42